السيد محمد تقي المدرسي
266
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
منهج معرفة الله " بالعقول يعتقد التصديق بالله ، وبالإقرار يكمل الإيمان به « 1 » لا ديانة إلا بعد معرفة ، ولا معرفة إلا بإخلاص ، ولا إخلاص مع التشبيه ، ولا نفي مع إثبات الصفات للتشبيه ، وكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه ، وكل ما ( يمكن ) فيه ( يمتنع ) في صانعه « 2 » ، لا تجري عليه الحركة والسكون ، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ، أو يعود فيه ما هو ابتداه ؟ « 3 » ، إذاً لتفاوتت ذاته ، ولتجزأ كنهه ، ولا ممتنع من الأزل معناه ، ولما كان للبارئ معنى غير المبروء ، ولو حُد له وراء إذاً حُد له أمام « 4 » ، ولو التمس له التمام إذاً لزمه النقصان « 5 » ، كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث « 6 » ، وكيف يُنشئ الأشياء من لا يمتنع من الأشياء « 7 » ، إذاً لقامت فيه آية المصنوع ، ولتحول دليلًا بعد ما كان مدلولًا عليه « 8 » ، ليس في محال القول حجة ، ولا في المسألة عنه جواب " .
--> ( 1 ) ( ) في البدء تشير الفطرة إلى وجود الله ، ولكن العقل يركز هذه الرؤية ويجعلها عقيدة ، ومن ثم يأتي الإقرار والتسليم لله ليكمل المسيرة ، فيوصل المرء إلى مرحلة الإيمان بالله سبحانه - وهذا فيما يبدو - هو المنهج الإلهي في معرفة الخالق . ( 2 ) ( ) كيف يلتزم بالدين من لا يعرف الرب ؟ أم كيف يعرف الله من لا يخلصه بالعبادة بل يجعل له شريكاً ، ويقارنه سبحانه بالشركاء ؟ أم كيف ينفي الشركاء من يشبه الله لخلقه ، وهل معنى التشبيه سوى وضع الخالق في مصاف المخلوقين سبحانه وتعالى ؟ ونفي التشبيه بدوره - كيف يكون مع الصفات الزائدة عليه . وهكذا يقول الإمام كلمته الجامعة للمنهج التوحيدي وهي : أن كل عجز ، وضعف ، ومحدودية موجودة في الخلق لابد أن يتعالى عنها الخالق ، وأن كل ما كان وجوده ممكناً يفي المخلوق فوجوده ممتنع في ضانعه . ( 3 ) ( ) الحركة شأن الذي يسكن ، والسكون شأن الذي يتحرك ، وهما من شؤون المخلوقين ، فكيف يجريان في الصانع وقد ابتدأهما ابتداءاً . ( 4 ) ( ) إذا قيل هذا الجانب وراءه ، لجاز أن يقال : وذاك الجانب أمامه . ( 5 ) ( ) إذا فتشنا عن طريقة لإ تمامه ، لكان يعني ذلك إنه ناقص . ( 6 ) ( ) الذي يجوز له حدوث طارئ ، فإن ذلك يدل على أنه كان ناقصاً ، أو أن طبيعته قابلة للحدوث ، ومثل هذا الشيء لا يستحق الأزلية . ( 7 ) ( ) الذي يمكن أن يحدث لا يمكنه أن يكون منشئاً . ( 8 ) ( ) إن المصنوع هو الذي له حد ووراءه وأمام ، ونقصان بعد زيادة ، وزيادة بعد نقصان ، وتحرك وسكون ، وتطور وتغيير ، وكل هذه الدلائل تشير إلى حقيقة واحدة ، هي أن المصنوع ليس موجوداً بذاته ، وكاملًا بنفسه ، ولا عاملًا في حقيقته بحقيقته ، بل بحقيقة خارجة عنه ، إذاً فلو أثبتنا بعض هذه أنور للخالق لعاد مخلوقاً ، ولأصبح بدوره دليلًا على خالق آخر بعد أن كان مدلولًا عليه بخلقه ، وهذا محال .